محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

117

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الكليّانية للنصّ - العمل المتكامل . وسوف نكتفي في اللحظة الراهنة بصياغتها على هيئة فرضيات عمل نحددها في ما يلي : 1 - ضمن أي مقياس يمكن القول بأن النصّ - العمل المتكامل هو نتاج قدر ( فردي وجماعي ) معاش ، ومستقبل ( فردي وجماعي ) مرغوب ومحيّن أو مجسّد أدبيا ؟ 2 - ضمن أي مقياس يستخدم الصوت الذي يتكلّم هنا معطيات ماض فردي وجماعي من أجل تشكيل صياغة محرّكة للوجود ؟ أقصد تشكيل كلّ متماسك من السلوكات أو التصرفات النموذجية المثلى التي تتّخذ كقدوة ، والتي تتعالى على المشروطيات الفضائية - الزمانية للوجود البشري . 3 - إذا ما استطاع التحليل العلمي البرهنة على صحة هذه السمات الخاصة بالنصّ - العمل المتكامل ، فإنه يبقى علينا أن نحدد آليّة اشتغال العلاقة الكائنة بين الطرفين التاليين : عمل متكامل - إبداع . نقصد بذلك دراسة النصّ الكلّي في آليّة اشتغاله ، وبنيته ، ومعانيه المثولية أو الملازمة لنصانيّته اللغوية ، أي : معانيه الحرفية . ثم ينبغي أن ندرس العلاقة الكائنة ما بين العمل المتكامل - والقدرة الإبداعية التوليدية . ونقصد بذلك مجمل النصوص الثانية « * » أو الثانوية التي ولّدها النص الأول ، كما ونقصد مجمل الأعمال ( بالمعنى الإسلامي الواسع للكلمة « 1 » ) والتي تولّدت عن قراءات العمل المتكامل - الإبداع . وهذه النقطة الأخيرة تنطبق على كل إبداع أدبي كما برهن على ذلك بشكل خاص كلود ليقي - ستروس . وهكذا نحن نتساءل : ما هي التصحيحات ، أو التحفّظات التي ينبغي إجراؤها لكي نستطيع أن نطبّق على القرآن المواقف الفكرية الملخصة في المقطع التالي : « لنسلّم إذن بأن كل عمل أدبي إبداعي ، شفهيا كان أم كتابيا ، لا يمكنه أن يكون في البداية إلّا فرديا . ولكن إذا ما سلّم بسرعة إلى التراث الشفهي كما يحصل ذلك لدى الشعوب التي لا كتابة لها ، وحدها المستويات المركبة أو الراسخة التي ترتكز على أسس مشتركة تظل ثابتة . أما المستويات الاحتمالية فتبدي قابلية كبيرة جدا للتغير أو التحول المرتبط بشخصية الرواة المتتالين . ولكن في أثناء حصول عملية النقل الشفهي ، تصطدم هذه

--> * يقصد أركون بذلك أن القرآن هو النصّ التأسيسي الأول في الإسلام . وهذا النص التأسيسي كان يتمتع بطاقة إبداعية ضخمة كبقية النصوص التأسيسية الكبرى ، وبالتالي فقد ولّد العديد من النصوص الثانية التي كانت بمثابة التعليق عليه أو التفسير له أو الانطلاق منه لبناء نصّ جديد . ومن الناحية المنهجية يقول أركون بوجوب أن ندرس النص الأول لوحده أولا . وبعدئذ ننتقل إلى دراسة النصوص الثانية التي ولّدها بشكل مباشر أو غير مباشر . فلا ينبغي أن نخلط بينه وبينها لأنه كان يتمتع بطاقة إبداعية وانفتاح فكري أو رمزي أوسع منها بكثير . فتفسير الطبري مثلا للقرآن ليس هو القرآن وإنما نص آخر . وقل الأمر ذاته عن تفسير فخر الدين الرازي وبقية النصوص التفسيرية الأخرى على الرغم من أهميتها . ( 1 ) نقصد بذلك الكتابات كما التصرفات أو السلوكات التي تستلهم النصّ القرآني .